عبد الملك الجويني
78
الشامل في أصول الدين
متباعدة ، أو مجتمعة مفترقة ، أو لا مجتمعة ولا مفترقة . فإن أثبتها مجتمعة أو مفترقة ، فالاجتماع والافتراق كونان . فقد صرح بأنها لا تخلو عن الأكوان . وإن زعم أنها مجتمعة مفترقة معا ، فقد أثبت الاجتماع والافتراق ، وهو ما نبغيه ولكنه ناقض فيه . على أن إثبات الوصفين على الاجتماع معلوم بطلانه ضرورة ، إذ العاقل يضطر إلى معرفة استحالة كون الشيئين مفترقين في حال كونهما مجتمعين . والذي يوضح ذلك : أن الافتراق ينفي الاجتماع وكذلك الاجتماع ينفي الافتراق . فمن أثبت الاجتماع ، وأثبت الافتراق ، فقد نفي الاجتماع بإثبات الافتراق ، وكأنه جمع بين نفي الشيء وإثباته ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه . وإن زعم الخصم أنها لم تزل غير مجتمعة ولا مفترقة ، كان ذلك باطلا ، مدركا بطلانه بضرورة العقل . فإنا إذا فرضنا الكلام في جوهرين ، وهما متحيزين شاغلان لحيزين ، لا يجوز وجود أحدهما ، بحيث الثاني ، فلا بد أن يكون أحدهما ملاصقا للثاني منضما إليه ، أو لا يكون منضما إليه . فإن كان منضما إليه ، فهما مجتمعان ، وإن لم يكن ملاصقا له ، بل كان في حيز نائي عن حيزه فهما مفترقان ، وهذا معلوم ببدائه العقول . وإن راغ الخصم وجوّز وجود جواهر بحيث جوهر واحد ، كان ذلك مصيرا إلى تداخل الجواهر ، وقد أوضحنا بطلانه بما فيه مقنع ، وسننعطف عليه عند ذكرنا تفصيل الرد على القائلين بالعنصر « 1 » والهيولى « 2 » . فإن قال قائل : ألستم اعتقدتم صانعا للعالم موجودا ، ثم زعمتم أنه غير متصل بجواهر العالم ولا منفصل عنها ، فإن لم يبعد ذلك منكم في الصانع وصنعه ، فلا تستبعدوه منا في الجواهر . وهذا الذي قالوه غير متقبل في حكم النظر أولا ، فإنا تشبثنا فيما ادعيناه بالضرورة ، وادعاء البديهة . والقوادح والاعتراضات إنما توجه على المستدلين ، ومدعي البديهة غير مستدل . فسبيل الخصم وإلزامه ، كسبيل أهل السفسطة ، إذا اعترضوا على المشاهدات والمحسوسات بالأحلام وضروب التخييلات . على أنا نقول : إذا فرضنا الكلام في متحيزين شاغلين لحيزين ، ورتبنا على ذلك غرضنا ، والرب سبحانه وتعالى ليس بمتحيز ، وما لا حيز له فلا يختص بجهة في قرب أو بعد ، وهذا أوضح عند التأمل .
--> ( 1 ) العنصر : الأصل والحسب والجنس . والعنصر : المادة التي تدخل في تكون جسم ما . ( 2 ) الهيولى : مادة الشيء التي يصنع منها . والهيولى عند القدماء : المادة التي خلقت منها أجزاء العالم المادية ، وهي مادة ليس لها شكل ولا صورة معينة ، قابلة للتشكل في شتى الصور ( مع ) .